الشيخ محمد عبده

29

رسالة التوحيد

عدمه ، ومن هذا القبيل وجود البناء ؛ فإنه شرط في وجود البيت ، وقد يموت البناء ويبقى بناؤه . وليس البناء واهب الوجود للبيت ، وإنما حركات يديه وحركات ذهنه وأطوار إرادته شرط لوجود البيت على هيئته الخاصة به . وبالجملة ، فيوجد فرق بين توقف الممكن على شيء وبين استفادته الوجود من شيء : فالتوقف قد يكون على وجود ثم عدم ، كما في توقف الخطوة الثانية على الأولى ، فإن الأولى ليست واهبة الوجود للثانية وإلا وجب وجودها معها ، مع أن الثانية لا توجد إلا إذا انعدمت الأولى . وأما استفادة الوجود فتقتضى سبق مالك للوجود يعطيه للمستفيد منه ، وأن يكون وجود المستفيد مستمدا من وجود الواهب لا يقوم إلا به ، فلا يستقل بنفسه دونه في حال من الأحوال . الممكن موجود قطعا نرى أشياء توجد بعد أن لم تكن ، وأخرى تنعدم بعد أن كانت ، كأشخاص النباتات والحيوانات : فهذه الكائنات إما مستحيلة ، أو واجبة ، أو ممكنة . لا سبيل إلى الأول ؛ لأن المستحيل لا يطرأ عليه الوجود ، ولا إلى الثاني ؛ لأن الواجب له الوجود من ذاته 37 وما بالذات لا يزول ، فلا يطرأ عليه العدم ولا يسبقه ، كما سيجيء في أحكام الواجب ، فهي ممكنة فالممكن ، الممكن موجود قطعا . ( وجود الممكن يقتضي بالضرورة وجود الواجب ) جملة الممكنات الموجودة ممكنة بداهة ، وكل ممكن محتاج إلى سبب يعطيه الوجود ، فجملة الممكنات الموجودة محتاجة بتمامها إلى موجد لها ، فإما أن يكون عينها ، وهو محال ؛ لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه ، وإما أن يكون جزءها ، وهو محال ؛ لاستلزامه أن يكون الشيء سببا لنفسه ، ولما سبقه إن لم يكن الأول ، ولنفسه فقط إن فرض أول ، وبطلانه ظاهر ، فوجب أن يكون السبب وراء جملة الممكنات ، والموجود الّذي ليس بممكن هو الواجب ، إذ ليس وراء الممكن إلا المستحيل والواجب ، والمستحيل لا يوجد فيبقى الواجب ، فثبت أن للممكنات الموجودة موجدا واجب الوجود 38 .